C
Celeb Storm Daily

سـنـــخوض معاركــنا معــهم -

Author

Matthew Barrera

Published Mar 28, 2026

08/09 14:14

العنوان ليس خطئاً طباعياَ. بل محاوله لتفكيك العباره الشهيره "سنخوض معاركنا معهم"..

لعلك لا تعرفها. هي مطلع قصيده تحولت فيما بعد الي نشيد شهير، انتشر بين المنتمين لحركه الاسلام السياسي في العالم العربى (الجهادي منها والاصلاحي).

وقد سمعتها صغيراً لاول مره، منتصف التسعينات٬ علي هامش حفل كبير، اقيم في مسجد الحي، وكنا في ساحته نلعب، وفي صحنه نحفظ القران، ونقيم احتفالات مختلفه، وفيها، نردد اناشيداً نحبها، منها : "سنخوض معاركنا"..

سنخوض معاركنا معهم، وسنمضي جموعاً نردعهم، ونعيد الحق المغتصبا، وبكل القوه ندفعهم.. بسلاح الحق البتار، سنحرر ارض الاحرار، ونعيد الطهر الي القدس، من بعد الذل وذا العار..

الكلمات موضوعها "القدس" كما تلاحظ. لكن النشيد تدريجياً، تحول الي ايقونه، وترددت ابياته الاولي في مناسبات عديده لاحقه، ليست ذات صله مباشره بالقدس وفلسطين.

عندما خسر مرشح الاخوان بمنطقتنا في انتخابات عام 2000 بالتزوير، وقفنا امام لجنه الفرز ننشد.. "سنخوض معاركنا معهم"، تحولت الانشوده الي مقوله فلسفيه تحكم افكارنا. ولهذا اسباب واضحه..

منها، كلمات القصيده السهله، ولحنها الجميل، لا اعرف كيف اختار صاحب اللحن لقصيده كهذه لحناً رومانسياً هادئاً، بعيد عن تشنجات الطبول والهتاف التي نجدها في اناشيد اسلاميه اخري.. واصلاً، كانت النسخه الوحيده المتوفره من النشيد، بدون موسيقي، بصوت المنشد المعروف "ابو عبد الملك"..

الان، وبعد تجاوزي فكره الانتماء الي تيار الاسلام السياسي بشكل عام، اضبط نفسي متلبساً، بالدخول الي "ساوندكلاود"، والبحث عن "سنخوض".. هكذا كنا نطلق عليه اختصاراً، والاستماع اليه (سراً) عده مرات..

هذا الصباح، استمعت اليه مره جديده، وقد لاحظت، ان القناه التي يوجد بها النشيد علي الموقع تحمل اسم "حازمون". ولعلك تعرف انه شعار حمله ترشيح الشيخ حازم صلاح ابو اسماعيل لرئاسه الجمهوريه، بعد ثوره جميله، قام بها شباب الوطن، وبعضهم، ينتمون للتيار الاسلامي، حتي انهم، انشدوا يوماً داخل ميدان التحرير، وقبل سقوط نظام مبارك : سنخوض معاركنا معهم..

الان، بينما اعيد الاستماع، افكر، انها ليست مجرد قصيده ونشيد، بل ما هو اعقد واكثر تركيباً.. هذه الايقونه / المقوله / الشعار / الفسلفه، ربما بحاجه الي تفكيك، واعاده نظر..

هذه المعارك نخوضها في المستقبل. وفي اللغه، استخدام الفعل في صيغته المستقبليه يفيد التوكيد والتاكيد.

سنخوض هذه المعارك دون شك. لكنها ايضاً، معارك مؤجله..

سالت صديقي مره، يبدو ان الوقت لازال طويلاً بين اللحظه التي نعيشها الان واللحظه التي سنخوض فيها معاركنا معهم، السؤال هو : ما الذي سنفعله في الفتره الفاصله؟..

لا توجد اجابه واضحه.. سنستمر في تكرار ترديدنا للنشيد. حتي اللحظه المناسبه. دون ان تكون لدينا ادني فكره، عن معايير تحديدها، وعن صاحب قرار اختيارها. كل لحظه تبدو مناسبه للمعركه، وكل لحظه ايضاً، تبدو وكانها لحظه انتظار جديده، للحظه مناسبه قادمه في المستقبل.

هذا غموض، يليق بحلم اجيال متتاليه تعلقت بالمقوله المؤثره، وهكذا هي المقولات المؤثره.. دائماً غامضه.. تزامن هوسي الشخصي بالنشيد، باصدار اوبريت حقق نجاحاً كبيراً، يحمل اسم "الحلم العربي".. وكان بالنسبه لي ايضاً، في غايه الغموض، حتي الان لم افهم ما معني ان "اجيال ورا اجيال هتعيش علي حلمنا، واللي نقوله اليوم، محسوب علي عمرنا"!!، ما المقصود تحديداً مما سبق؟، بالنسبه لي لا شيء.. لكنها كانت مقوله ملائمه لان تجد مهاويسها حينها (وربما لا زالت)..

والمقولات المؤثره، عموماً، تحتوي علي قدر لا نهائي من "الحقيقه المطلقه"، حتي وان تعلقت هذه الحقيقه بوعد مستقبلي غير معلوم الموعد. سنخوض تعني اننا سنخوض. لا مجال لشك او تشكيك. ولا حتي مناقشه.

والمعركه قادمه في المستقبل. مع عدو حقق انتصار علينا في الماضي. ويبدو الحاضر بينهما، دون محل صحيح من الاعراب.

من سيخوض المعركه ذات الموعد غير المحدد؟.. الاجابه واضحه هذه المره.. نحن.. انا وانت.. صاحب النشيد، واولئك الذين يستمعون اليه.

ونحن، كلمه خادعه، رغم ما تبدو عليه من تحديد. في الواقع لا توجد اشاره واضحه الي من نحن تحديداً التي يقصدها النشيد. نحن الشباب؟، نحن انصار تيار الاسلام السياسي؟، نحن المصريين؟، نحن من؟..

تزامن سماعي للنشيد، مع وقت كنت اقف فيه امام المراه طويلاً في محاوله طفوليه مني لحفظ ملامح وجهي. كنت لازلت اتعرف علي نفسي، وكنت ايضاً، متلهفاً لان يخبرني احدهم، من انا تحديداً، ثم من نحن؟..

لاحقاً، كنت اجلس امام صحفيه فرنسيه شابه، وبيننا مترجم، سالتني عن السبب وراء توقفي عن الانتماء لمعسكر الاسلام السياسي. بتلقائيه قلت لها : اكتشفت ان العالم اوسع.

"نحن"، التي فهمتها لاحقاً من كلمات النشيد. ضيقه جداً، تشير الي هؤلاء الذي ارتضوا الايمان بحلم غامض، يخص خوض معركه مستقبليه، دون موعد محدد، او خطه يسهل فهمها.

وفي الواقع، فان الاخبار اليوميه، والاحداث السياسيه، تشير، الي ان اللحظه المناسبه المجهوله، تبتعد ولا تقترب. لذا، قد نعيش "نحن"، ونموت، ومعركتنا التي نحلم بخوضها (ودون ادني شك في حدوثها) لم تبدا بعد.. وهذا بائس جداً، والعالم اوسع من ذلك كثيراً.

معاركنا.. الاشاره واضحه. هذه المعارك تخصنا، نملكها، ليست معارك واسعه سنكون جزءاً منها. بل هي معاركنا نحن. اخترناها واختارتنا. كل شيء محدد في وصفها..

لاحقاً، كان يمكن ان نستخدم ضمير الملكيه نفسه، لوصف اي معركه باعتبارها "معركتنا". طالما "نحن" طرفاً بها.

لاحقاً، اصبح كل شيء معركه تمهيديه للمعركه المستقبليه غير محدده الموعد. الانتخابات البرلمانيه، انتخابات النقابات، التظاهرات، انتخابات رئاسه الجمهوريه.. كل شيء صالح للمنافسه بين طرفين، هو ساحه مناسبه لمعركه (والانتخابات عاده تتوافر بها الشروط السابقه)..

ولاننا في الحاضر لا نملك الا انتظار لحظه بدء المعركه المستقبليه، فلا مانع، من تسليه وقت فراغنا، في معارك تجهيزيه، مع عدم نسيان انها جميعاً "معاركنا"..

وفي المعركه، المعادله واضحه. انت هنا او هناك. معنا او ضدنا. منتصر او مهزوم. لا مجال للجمع بين صفتين او مكانين مما سبق. معاركنا الحاليه، وسيله تنقيه وفرز. للافراد والافكار..

ان كانت "نحن" غير محدده، فلا داعي لتحديد "هم". سنخوض معاركنا "معهم" عموماً.. اي طرف يقف في الجهه المقابله، لا ينتمي الي "نحن"، فهو بالضروره ينتمي الي "هم"..

خلال الانتخابات البرلمانيه الاولي بعد الثوره، اسس الاخوان في مصر حزباً سياسياً، يحمل شعاراً مثيراً للجدل.. "نحمل الخير لمصر".. هناك "نحن" واضحه في بدايه الشعار..

جمعتني جلسه عمل مع فريق الدعايه الخاص بالحزب خلال مرحله اختيار الشعار، قلت : ما رايكم لو حذفنا كلمه "نحمل" كلها من بدايه الشعار.. هكذا يبدو الشعار اقصر، واقل اثاره للجدل حول "نحن".. ليصبح "الخير لمصر".. الخير كله لمصر كلها.. ونحن جزء من مصر.. ولسنا تحديداً من نحمل الخير!.

لم يجد الاقتراح قبولاً، ربما لان الاف المطبوعات التي تحمل الشعار بصيغته الاولي قد تمت طباعتها.

وبينما، كانت "نحن"، تزداد ضيقاً وتحديداً، كانت "هم" تزداد اتساعاً. لتشمل كل من لا ينتمي الينا. بل، جاءت الحمله التاليه للاخوان خلال الانتخابات بشعار اغرب "اسمعوا منا ولا تسمعوا عنا".. فنحن حتي لا نامن "هم" علي وصف "نحن" او الكلام عنا!.