C
Celeb Storm Daily

تفسير الشعراوي للآية 257 من سورة البقرة

Author

Ava White

Published Mar 27, 2026

06/18 12:04

قال تعالي: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ امَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ اِلَي النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا اَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ اِلَي الظُّلُمَاتِ اُولَئِكَ اَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.. [البقره : 257].

ان الله وليّ الذين امنوا ما دام {فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت وَيْؤْمِن بالله فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى} وكان الحق يشرح ذلك بهذه الايه، فما دام العبد سيتصل بالعروه الوثقي ويستمسك بها، وهذه ليست لها انفصام فقد صارت ولايته لله، وكلمه (وليّ) اذا سمعتها هي من (وَلِيَ) اي: جاء الشيء بعد الشيء من غير فاصل؛ هذا يليه هذا، وما دام يليه من غير فاصل فهو الاقرب له، وما دام هو الاقرب له اذن فهو اول من يفزع لينقذ، فقد يسير معي انسان فاذا التوت قدمي اناديه؛ لانه الاقرب مني، وهو الذي سينجدني.

فلا يوجد فاصل، وما دام لا يوجد فاصل فهو اول من تناديه، واول من يفزع اليك بدون ان تصرخ له؛ لان من معك لا تقل له: خذ بيدي، انه من نفسه ياخذ بيدك بلا شعور، اذن فكلمه {الله وَلِيُّ الذين امَنُواْ} اذا نظرت اليها وجدتها تنسجم ايضا مع {سَمِيعٌ عَلِيمٌ}، فلا يريدك ان تناديه؛ لان هناك من تصرخ عليه لينجدك، وهو لن تصرخ عليه؛ لانه سميع وعليم، {الله وَلِيُّ الذين امَنُواْ}.

وكلمه (وليّ) ايضا منها (مولي) ومنها (وال)، {وَلِيُّ الذين امَنُواْ} اي هو الذي يتولي شئونهم وامورهم، كما تقول: الوالي الذي تولي امر الرعيه، وكلمه (مولي) مره تطلق علي السيد، ومره تطلق علي خادمه، ولذلك يقول الشاعر:

مولاك يا مولاي طالب حاجه ***

اي عبدك يا سيدي طال بحاجه، فهي تستعمل في معان مترابطه؛ لاننا قلنا: (وَلِيّ) تعني القريب، فاذا كان العبد في حاجه الي شيء فمن اول من ينصره؟ سيده، واذا نادي السيد، فمن اول مجيب له؟ انه خادمه، اذن فيُطلق علي السيد ويُطلق علي العبد، ويُطلق علي الوالي، {اللهُ وَلِيُّ الذين امَنُواْ}. وقوله الحق: {الذين امَنُواْ} يعني جماعه فيها افراد كثيره، كانه يريد من الذين امنوا ان يجعلوا ايمانهم شيئا واحداً، وليسوا متعددين، او ان ولايه الله لكل فرد علي حده تكون ولايه لجميع المؤمنين، وما داموا مؤمنين فلا تضارب في الولايات؛ لانهم كلهم صادرون وفاعلون عن ايمان واحد، ومنهج واحد، وعن قول واحد، وعن فعل واحد، وعن حركه واحده.

وكيف يكون {الله وَلِيُّ الذين امَنُواْ}؟ انه وليهم اي ناصرهم. ومحبهم ومجيبهم ومعينهم، هو وليهم بما اوضح لهم من الادله علي الايمان، هل هناك حُب اكثر من هذا؟ هل تركنا لنبحث عن الادله او انه لفتنا الي الادله؟

وتلك هي ولايه من ولايات الله. فقبل ان نؤمن اوجد لنا الادله، وعندما امنا وَالانَا بالمعونه، وان حاربنا خصومنا يكن معنا، وبعد ذلك تستمر الولايه الي ان يعطينا الجزاء الاوفي في الاخره، اذن فهو وليّ في كل المراحل، بالادله قبل الايمان ولي.

ومع الايمان استصحاباً يكون ناصرنا علي خصومنا وخصومه. وفي الاخره هو وليّنا بالمحبه والعطاء ويعطينا عطاءً غير محدود، اذن فولايته لا تنتهي.

{الله وَلِيُّ الذين امَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات اِلَي النور} انه سبحانه يخرجهم من ظلمات الجهل الي نور الايمان؛ لان الظلمات عاده تنطمس فيها المرائي، فلا يمكن ان تري شيئاً الا اذا كان هناك ضوء يبعث لك من المرئي اي اشعه تصل اليك، فان كانت هناك ظلمه فمعني ذلك انه لا ياتي من الاشياء اشعه فلا تراها، وعندما ياتي النور فانت تستبين الاشياء، هذه في الامور المُحسَّه؛ وكذلك في مسائل القيم، {يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات اِلَي النور والذين كفروا اَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ النور اِلَي الظلمات}.

هل هم دخلوا النور يا ربنا؟ لنا ان نفهم ان المقصود هنا هم المرتدون الذين وسوس لهم الشيطان فادخلهم في ظلمات الكفر بعد ان كانوا مؤمنين، او {يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ النور اِلَي الظلمات}، اي يحولون بينهم وبين النور فيمنعونهم من الايمان كما يقول واحد: اما دريت ان ابي اخرجني من ميراثه؟ ان معني ذلك انه كان له الحق في التوريث، واخرجه والده من الميراث. وهذا ينطبق علي الذين تركوا الايمان، وفضلوا الظلمات. والقران يوضح امر الخروج من الظلمه الي النور ومن الكفر الي الايمان في مواقع اخري، كقول سيدنا يوسف للشابين اللذين كانا معه في السجن: {وَدَخَلَ مَعَهُ السجن فَتَيَانِ قَالَ اَحَدُهُمَا اني اراني اَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الاخر اِنِّي اراني اَحْمِلُ فَوْقَ رَاْسِي خُبْزاً تَاْكُلُ الطير مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَاْوِيلِهِ اِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين قَالَ لاَ يَاْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ اِلاَّ نَبَّاْتُكُمَا بِتَاْوِيلِهِ قَبْلَ اَن يَاْتِيَكُمَا ذلكما مِمَّا عَلَّمَنِي ربي اِنِّي تَرَكْتُ مِلَّهَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بالله وَهُمْ بالاخره هُمْ كَافِرُونَ}.. [يوسف : 36-37].

فهل كان سيدنا يوسف في مله القوم الكافرين ثم تركها؟ لا، انه لم يدخل اساساً الي مله القوم الذين لا يؤمنون بالله. ان هذه المله كانت امامه، لكنه تركها ورفض الدخول فيها وتمسك بمله ابراهيم عليه السلام. وفي التعبير ما فيه من تاكيد حريه الاختيار. وهناك ايه اخري يقول فيها الحق: {والله خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ الي اَرْذَلِ العمر لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً اِنَّ الله عَلِيمٌ قَدِيرٌ}.. [النحل : 70].

ان معني الايه ان الله قد خلقنا جميعاً، وقدر لكل منا اجلاً، فمنا من يموت صغيراً، ومنا من يبلغ ارذل العمر، فيعود الي الضعف وتقل خلايا نشاطه فلا يعلم ما كان يعلمه. وليس معني الايه ان الانسان يوجد في ارذل العمر ثم يرد الي الطفوله.

وعندما يقول الحق: {والذين كفروا اَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ النور اِلَي الظلمات} فالحق اورد هنا كلمه اولياء عن الطاغوت، لان الطاغوت كما قلنا: الوان متعدده، الشيطان طاغوت، والدجال طاغوت، والساحر طاغوت.

وجاء الحق بالخبر مفرداً وهو الطاغوت لمبتدا جمع وهو اولياء، ووصف هؤلاء الاولياء للطاغوت بانهم يخرجون الذين كفروا من النور الي الظلمات.